اضحكوا على غيرنا. لا يمكن لنص أن يبقى يتداول مشافهة على الألسن أكثر من مائتي عام دون أن يناله التبديل والتحريف و... و...

صورة العضو الشخصية
محمد مأمون
User
User
مشاركات: 297
اشترك: الاثنين مايو 13, 2013 7:39 am

اضحكوا على غيرنا. لا يمكن لنص أن يبقى يتداول مشافهة على الألسن أكثر من مائتي عام دون أن يناله التبديل والتحريف و... و...

ارسال عن طريق محمد مأمون » الجمعة أغسطس 04, 2017 12:17 am

البخاري ومسلم كتبا صحيحيهما بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائتين وعشر سنين إلى مائتين وخمسين سنة تقريبا، وكانا يتلقيان الروايات مشافهة من ألسنة الرواة.

فإذا علمنا أن متوسط عدد الرواة عند البخاري في السند الواحد خمسة إلى ستة رواه تقريبا.

عن فلان عن علان عن سمعان عن ترتان عن جمعان عن النبي عليه الصلاة والسلام. إلى أن وصل الحديث إلى مسلم والبخاري بعد مائتين وثلاثين سنة . .

فيكون بين كل راو والذي يليه أكثر من أربعين سنة في المتوسط.

يعني جمعان سمع الرواية من النبي عليه الصلاة والسلام ، ونقلها مشافهة إلى ترتان بعد 40 سنة في المتوسط

وكذلك ترتان سمعها مشافهة من جمعان ونقلها مشافهة إلى سمعان بعد 40 سنة

سمعان سمعها مشافهة من ترتان ونقلها مشافهة إلى علان بعد 40 سنة

وكذلك علان سمعها مشافهة من ترتان ونقلها مشافهة إلى فلان بعد 40 سنة .

ثم نقلها فلان مشافهة إلى البخاري ومسلم بعد 40 سنة ، فدونها البخاري ومسلم فيما يسمونهما الصحيحين.

اضحكوا على غيرنا.
لا يمكن لنص أن يبقى يتداول مشافهة على الألسن أكثر من مائتي عام دون أن يناله التبديل والتحريف والزيادة والنقصان.

ديننا ورسولنا بريئان من السخافات التي تملأ ما يسمونهما صحيحي البخاري ومسلم



صورة العضو الشخصية
سلام
1000+ كاتب
1000+ كاتب
مشاركات: 3037
اشترك: الاثنين يوليو 02, 2012 3:55 pm

Re: اضحكوا على غيرنا. لا يمكن لنص أن يبقى يتداول مشافهة على الألسن أكثر من مائتي عام دون أن يناله التبديل والتحريف و...

ارسال عن طريق سلام » الجمعة أغسطس 04, 2017 4:24 am

فأما كون الإمام البخاري رحمه الله ألف صحيحه بعد قرنين من موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يعقل أن تدون الأحاديث بعد هذه المدة كما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا وإن كان معقول المعنى إلا أن قائل هذا الكلام غفل عن الشروط الدقيقة التي وضعها المحدثون ولاسيما أمثال البخاري لقبول المرويات، فهم لا يقبلون إلا من الثقة، وهو الذي يجمع بين العدالة والضبط، ومع ذلك فلابد من خلو روايته من الشذوذ والعلة، وهذه مسالك في غاية الدقة لا يحسن تعاطيها إلا جهابذة أهل العلم ممن أفنوا أعمارهم في خدمة السنة جمعا ودراسة وتمحيصا، ولا يمكن للمرء أن يقف على حقيقة هذا الأمر إلا إن درس علوم الحديث وعرف الجهود المضنية التي يسر الله لها أهل الحديث من هذه الأمة، حيث وضعوا قواعد وضوابط في غاية الإتقان، وبذلوا في ذلك من الجهد ما يشهد لحفظ الله تعالى لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى قد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الله قد حفظ السنة كما حفظ القرآن، كما سبق التنبيه عليه في الفتويين: 28205، 19694. وهذا العلم الشريف بنقد الروايات وتمحيصها تفرد به المسلمون، فلا يوجد عند أمة من الأمم غيرهم، لذلك قال المستشرق المجري مارجيليوس: ليفتخرْ المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. اهـ.

والمقصود أن أصل الإشكال عند هذا المتكلم أنه قاس حال المحدثين في قبول المرويات بحال غيرهم ممن يفتقد الضبط بل والعدالة.

ثم إننا ننبه أن صحيحي البخاري ومسلم من دون غيرهما من المصنفات الحديثية، لهما شأن خاص، فليس الأمر مجرد عناية بشرط الصحة والنظر في الأسانيد، بل الأهم من ذلك هو تلقي علماء الأمة لهما بالقبول والتسليم، وأن الأصل هو صحة روايتهما، وبذلك يعرف تهافت الاستدلال ببشرية البخاري فإن هذا ليس محلا للنزاع، ولكنه لا يصلح مطعنا في صحيحه بعد تلقي الأمة له بالقبول. وأما ما انتقد عليهما فغالبه متوجه للصناعة الحديثية وليس لمتون الأحاديث، وهذا مع الأسف لا يدركه أكثر المعاصرين الذين تناولوا هذه المسألة الخطيرة، وحتى الأحاديث النادرة التي ينتهض انتقاد المنتقد لها لا تنقض جلالة الصحيحين، وقد سبق أن بينا ذلك في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13678، 134033، 128476، 70192.

وننبه هنا على أمر مهم في هذا الشأن، وهو أن الطعن في أحاديث البخاري وحجيته من حيث الجملة، يختلف اختلافا جذريا عن انتقاد حديث أو أحاديث بعينها لأسباب علمية صرفة، ممن هو أهل لذلك من الراسخين في هذا العلم كالدارقطني ونحوه. وهذا الخلاف ليس من حيث الصورة والظاهر فقط، بل من حيث المقصد والغاية بالأساس، ففرق هائل بين من كان يقصد صيانة السنة والذب عن حياضها بالتحري والتثبت العلمي، وبين من يقصد هدمها وتقويض بنائها، والطعن في أصل ثبوتها وصحة نقلها.

وأما مسألة كتابة الحديث والنهي عنها، فقد صدق القائل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر عبثا بعدم كتابة غير القرآن. ولكنه صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه لم يأذن عبثا لبعض أصحابه بالكتابة، فكلا الأمرين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعلة في ذلك أن لا يختلط القرآن بغيره، في عصر كانت أدوات الكتابة فيه قليلة ومحدودة، ولا يحسنها إلا نفر قليل، ومن تأمل هذه الحال، واستحضر ضرورة نقل القرآن بلفظه وحرفه، عرف أن مورد الإذن غير مورد المنع، وقد سبق لنا الكلام على كتابة الحديث وتدوينه في الفتويين: 8516، 13196.

وأما مسألة التعارض بين القرآن والسنة، فتناولها بالطريقة المذكورة في السؤال لا يأتي فقط على السنة، بل يأتي على القرآن نفسه، فقد زعم كثير من الملحدين وأهل الملل الباطلة أن بين آيات القرآن نفسه تعارضا. فطريقة إبطال هذه الدعوى هي هي طريقة إبطال تلك، فإن السنة النبوية في مجال التشريع إنما هي وحي من الله تعالى، فكما نجمع بين آيات القرآن بحمل كل آية على المراد بها، فكذلك نفعل إذا كان بين ظاهر القرآن والسنة نوع اختلاف. وراجع الفتوى رقم: 113857.

وأما مسألة مخالفة السنة للعقل، فهذا أمر وارد، فإن العقول البشرية بضعفها وقصورها وضيق عطنها، لا يمكن أن تستوعب حكم التشريع، ولا أن تحيط بموارد الغيب، فإذا خالفت السنةَ كان الحكم للسنة بلا ريب، هذا مع أن هذا التعارض بين السنة والعقل، قد ذُكر مثله أيضا مع القرآن فهل نَردُّ القرآن كذلك لمخالفته بعض العقول السقيمة والآراء الساقطة؟! وهنا ننبه على أن العقل الصريح لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح، وأن الوحي وإن كان يأتي بما تحار فيه العقول، فإنه لا يمكن أن يأتي بما تحيله العقول، وقد سبق لنا بيان ذلك، وبيان أن تحكيم العقل في أحكام الشرع زيغ وضلال، فراجع الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 20458، 23028، 129696، 39932.

وأما مسألة نسخ السنة للقرآن، فمحل خلاف بين أهل العلم قديما وحديثا، والجمهور على أن القرآن ينسخ بالسنة المتواترة. وراجع في ذلك الفتويين: 22660، 46669.

وأما حد الردة، فصحيح أنه لم يثبت في القرآن، إلا أن ذلك ليس بمطعن؛ لأنه ثبت بالسنة الصحيحة، ونقل العمل به منذ عصر الصحابة تواترا، بما يفيد العلم القطعي بثبوته. ثم إن هذا لا يعارض حرية الاعتقاد، لأنه صورة مستثناة لمصلحة عامة، ولا تعارض بين خاص وعام، فكل كافر لا يصح أن يكره على الدخول في الإسلام، ولكنه إن دخل فيه فلا يقبل منه الردة عنه، وراجع في تفصيل ذلك الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13987، 33562، 50846.

وأما حد الرجم فقد سبق أن بينا ثبوته بالكتاب والسنة للزاني المحصن، وراجع في ذلك الفتويين: 26483، 42939.

وأما الاستدلال بقوله تعالى: يا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ. {الأحزاب: 30}. على عدم التفريق بين المحصن وغيره، توسلا لإبطال حد الرجم فهذا هو المضحك حقا، وليس كما يقول هذا القائل: ثبوت حد الرجم مضحك جدا. فهذه الآية لا تتكلم أصلا عن عقوبة الدنيا، بل الآخرة، ولو قرأ هذا القائل الآية التي بعدها فضلا عن حفظها لتبين له ذلك، حيث يقول تعالى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا {الأحزاب: 31}. فهل مضاعفة الأجر تكون هي الأخرى في الدنيا؟! ومما يبين ذلك أيضا أن في قراءة ابن كثير وابن عامر: (نُضعِّف لها العذابَ) بالنون وكسر العين وتشديدها، ونصب العذاب، فهي منسوبة إلى الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا في الآخرة. ومن المفسرين من فسر المضاعفة بالجمع بين عذاب الدنيا والآخرة، كما قال زيد بن أسلم: {يضاعف لها العذاب ضعفين} في الدنيا والآخرة. اهـ.

وكذلك فإن الراجح في تفسير الفاحشة هنا أنها المعاصي الظاهرة كالنشوز وسوء المعاملة.

قال ابن الجوزي في زاد المسير: بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أي بمعصية ظاهرة، قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين. اهـ.

وبالجملة فكثير من المستشرقين والمستغربين وأذنابهم قد أثاروا الشبهات حول هذين الحدين على وجه الخصوص: حد الرجم، وحد الردة، وذلك لأن الكلام على الحدود الثابتة في القرآن كحد السرقة وحد القذف، فيه طعن ظاهر في القرآن، فلم يجترئ عليه المنتسبون للإسلام منهم. وقد تناول ذلك جمع من الباحثين بالرد والتفنيد والبيان، ومن ذلك بحث الدكتور عماد الشربيني (عقوبتا الزاني والمرتد ودفع الشبهات في ضوء القرآن والسنة) فيمكن الرجوع إليه للتوسع في ذلك.

وأما حديث "من تعزى بعزاء الجاهلية" فقد سبق لنا بيان ما فيه والحكمة من ورائه، في الفتاوى ذوات الأرقام: 71170، 113416، 55887.

وأما المسألة الأخيرة، وهي انتقاء البخاري لأحاديث صحيحه من أكثر من (600 ألف حديث) على حد قول هذا القائل، فقد سبق أن بينا سبب عدم استيعاب البخاري ومسلم جميع ما صح عندهما في صحيحهما، وذلك في الفتوى رقم: 129325.

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.p ... &Id=137308

صورة العضو الشخصية
سلام
1000+ كاتب
1000+ كاتب
مشاركات: 3037
اشترك: الاثنين يوليو 02, 2012 3:55 pm

Re: اضحكوا على غيرنا. لا يمكن لنص أن يبقى يتداول مشافهة على الألسن أكثر من مائتي عام دون أن يناله التبديل والتحريف و...

ارسال عن طريق سلام » الجمعة أغسطس 04, 2017 4:29 am

بداية يجب أن نفرق بين مفهومين:

الأول هو : كتابة السنة (تدوينها).

الثانى هو : جمع السنة.

فعندما نقول أن بداية جمع السنة كان فى عصر فلان أو بأمر من فلان أو عام كذا. فلا يعنى هذا أنها لم تكن مكتوبة عند بعض الصحابة أو رواة الحديث.

بل إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدئ فى كتابته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى حياته.

كما يجب أن نؤكد على أن العبرة فى هذه المسألة هى بالحفظ سواء أكان هذا الحفظ حفظ فى الصدر أم حفظ فى كتاب.

ونسوق فى هذا ما قاله الخليل ابن أحمد الفراهيدى :

ليس العلم ما حواه القمطر ................. ما العلم إلا ما حواه الصدر

مرحلة الكتابة الخاصة في عهد النبي.
(انتهت عند وفاة النبى صلى الله عليه وسلم عام 11 هجرية).


وفى هذه المرحلة كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وكانوا يتداولونه حفظاً له ورواية. وكان القليل منهم يكتب. ولكن كان المعول الحقيقى على عملية الحفظ فى الصدر.


وقد بلغ اعتناء الصحابة بحب السنة والتعرف على كل ما يقوله أو يفعله النبى صلى الله عليه وسلم ، أن عدداً كبيراً منهم كان يلازمه ملازمة مباشرة. كأبى بكر وعمر وعبد الله بن مسعود والذى عرف بصاحب نعل رسول الله.


بل كان الصحابة يكثرون من قولهم : (ذهب رسول الله ومعه أبو بكر وعمر) ... (رجع رسول الله ومعه أبو بكر وعمر).


وهذا من طول ملازمتهما إياه.


وكان من شدة حبهم وتعلقهم بالنبى أن لازموه ملازمة شبه كاملة. فأخبرهم أن لأولادهم عليهم حق. فأمرهم أن يعملوا يوماً ويلازمونه يوم.


وللموازنة بين الأمرين : حب ملازمة النبى صلى الله عليه وسلم ، والإنفاق على العيال. فقد كانوا يتناوبون مصاحبته.


فقد أخرج البخارى فى صحيحه (89) ومواضع أخرى : عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب قال : كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك.


وجدير بالذكر فى هذا المقام بيان أن أصحاب النبى – صلى الله عليه وسلم – ومن جاء بعدهم كانوا يعتمدون على قوة ذاكرتهم فى الحفظ.


وكان هذا معلوم لدى العرب حتى من قبل ظهور الإسلام. فقد كانت أمة العرب ، أمة ذات قريحة متوقدة نشطة يحفظون القصائد الشعرية التى تتكون من عشرات بل مئات الأبيات من أول مرة يسمعونها فيها.


وعندما جاء الإسلام ، انصب اهتمام الصحابة على كتابة الوحى القرآنى بمجرد نزوله ، كما اتخذ النبى صلى عليه وسلم عدداً كبيراً لكتابة الوحى عرفوا باسم (كُتّاب الوحى) وبلغ عدد هؤلاء أربعين كاتباً.


كما لم يغفل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أهمية السنة ، فانكب عدد كبير على كتابة ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهر هؤلاء جميعاً سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه وعن أبيه.

ولم تعدم هذه الفترة من وجود الصحف التى كتب فيها الصحابة رضوان الله عليهم أحاديث مباشرة عن رسول الله وبدون واسطة.

من تلك الصحف:
1- الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص .
2- الصحيفة الصحيحة برواية همام بن منبه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- صحيفة سمرة بن جندب .
4- صحيفة سعدة بن عبادة الأنصاري .
5- صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري .

فصحيفة سمرة بن جندب (الذى توفى عام 60هـ)، كان قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه، وهي التي يقول فيها ابن سيرين: "في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير".

ومن أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي (الصحيفة الصادقة) التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اشتملت على ألف حديث، كما يقول ابن الأثير، ومحتواها محفوظ في مسند أحمد بن حنبل ، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهده صلوات الله عليه، وهذه الوثيقة كانت نتيجة محتومة لفتوى النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو وإرشاده الحكيم له؛ فقد جاء عبد الله يستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الكتابة قائلا: أكتب كل ما أسمع؟ قال: "نعم"، قال: في الرضا والغضب؟ قال: "نعم؛ فإني لا أقول في ذلك إلا حقا".

وقد أتيح لمجاهد بن جبر (103هـ) أن يرى هذه الصحيفة عند صاحبها عبد الله بن عمرو ، وكان عبد الله بن عمرو - لشدة حرصه على هذه الصحيفة - لا يسمح لأعزّ الناس عليه بتناولها، ورؤية مجاهد لها لم تكن إلا عرضا؛ فإنه قال: "أتيت عبد الله بن عمرو؛ فتناولت صحيفة تحت مفرشه فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئا! قال: هذه الصحيفة الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت هذه وكتاب الله والوهط فلا أبالي علام كانت عليه الدنيا! والوهط أرض كان يزرعها".

ولقد شاعت في عصر الصحابة صحيفة خطيرة الشأن أمر النبي عليه السلام نفسه بكتابتها في السنة الأولى للهجرة، فكانت أشبه (بدستور) للدولة الفتية الناشئة آنذاك في المدينة، وهي الصحيفة التي دون فيها كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حقوق المهاجرين والأنصار واليهود، ولفظ الكتابة صريح في مطلعها: "هذا كتاب محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس".

وهذه الصحف لم يصل إلينا منها شئ الآن. وأقصد بهذا الورق الأصلى الذى
كتبت عليه.

أما محتواها فقد صلنا فعلاً ، وقد أدت هذه الصحف دوراً كبيراً فى وصول السنة إلينا.

فما كتب فيها ، تناوله التابعون من الصحابة ، وحفظوه فى صدورهم ، وسجلوه فى صحائفهم ، ثم أبلغوه لمن جاء بعدهم ، حتى أصبحت تشكل جزءاً كبيراً من كتب السنة التى جاءت بعد.

فهى إذن الحلقة الأولى من سلسلة توصيل السنة إلينا.

فصحيفة عبد الله بن عمرو على سبيل المثال موجودة فى مسند الإمام أحمد ، ولكنها موجودة عن طريق الإسناد من الإمام أحمد إلى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى صلى الله عليه وسلم.

ولا يظن أحد أن هذا دليل على أن كل ما هو موجود من أحاديث فى المسند ينتهى إسنادها إلى عبد الله بن عمرو ، يعتبر صحيحاً على وجه الإطلاق.

لا ، لماذا لأن العبرة كما قلنا فى نقل السنة كانت بالحفظ والرواية ، وقد وقع فيها بعض الخلط أو التقصير ، نتيجة ضعف حفظ بعض الرواة أو عدم ضبطهم أو وقوع التصحيف ، وهذه كلها أمور ومسائل موجودة فى علم المصطلح ويقوم بعلاجها ونقد الصحيح من الضعيف وبيان أوجه وسبب القصور فيها.

صحيفة همام بن منبه

ومن أشهر ما كتب فى القرن الأول الصحيفة الصحيحة لهمام بن مُنَبِّه الصنعانى المتوفى :131 هـ والتى رواها عن أبى هريرة وقد وصلتنا هذه الصحيفة كاملة كما رواها ودونها وقد طبعت عدة طبعات منها طبعة بتحقيق الدكتور رفعت فوزى طبعة مكتبة الخانجى 1406 ويزيد من توثيق هذه الصحيفة أن الإمام أحمد قد نقلها بتمامها فى مسنده كما نقل الإمام البخارى عددا كثيرا من أحاديثها فى صحيحه وتضم صحيفة همام مائة وثمانية وثلاثين حديثا ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية لأنها حجة قاطعة على أن الحديث النبوى قد دون فى عصر مبكر وتصحح القول بأن الحديث لم يدون إلا فى أوائل القرن الهجرى الثانى وذلك أن هماما لقى أبا هريرة قبل وفاته وقد توفى أبو هريرة 59 هـ فمعنى ذلك أن الوثيقة دونت فى منتصف القرن الهجرى الأول.


صحيفة أبى الزبير عن جابر


ويبرز من جيل التابعين عدد آخر من العلماء الذين اهتموا بالحديث واحتفظوا بأجزاء وصحف كانوا يروونها منهم (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدى 126هـ والذى كتب بعض أحاديث الصحابى الجليل جابر بن عبد الله الأنصارى.

وقد وصلت إلينا من آثاره أحاديث أبى الزبير عن غير جابر جمعها أبو الشيخ عبد الله بن جعفر بن حيان الأصبهانى المتوفى : 369 هـ وقد طبع بتحقيق بدر بن عبد الله البدر طبعة مكتبة الرشد بالرياض 1417 هـ

وأيوب بن أبى تميمة السختيانى المتوفى : 131 وقد وصل إلينا بعض حديثه جمعه إسماعيل بن إسحاق القاضى البصرى 282هـ وهو مخطوط فى المكتبة الظاهرية مجموع 4/2 ويقع فى خمس عشرة ورقة وغير هؤلاء كثير.

مرحلة النضج
مرحلة تدوين السنة على هيئة كتب مصنفة ومرتبة.
كل كتاب يخدم هدف معين وله مقصد صُنف من أجله.
(بدأت حوالى عام 100 هجرية وما تلاها).

وكان هذا بناء على أمر من عمر بن عبد العزيز.

ففي صحيح البخاري: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء).
وكان هذا عام 101هـ.

وروى عبد الرزاق عن ابن وهب، سمعت مالكا يقول: "كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، وأن يعملوا بما عندهم، ويكتب إلى أبي بكر بن حزم أن يجمع السنن، ويكتب بها إليه، فتوفي عمر بن عبد العزيز وقد كتب ابن حزم كتبا قبل أن يبعث بها إلينا..." اهـ

وكان أول من استجاب له في حياته وحقق له غايته عالم الحجاز والشام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني الذي دون له في ذلك كتابا، فغدا عمر يبعث إلى كل أرض دفترا من دفاتره، وحق للزهري أن يفخر بعلمه قائلا: "لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني" .

ويجب أن نتذكر هنا أن التدوين المقصود به هو الجمع فى كتب مستقلة ، وأن يكون الجمع من أجل التصنيف ذاته.

وقد ذكر بعض أهل العلم أن جماعة من الصحابة والتابعين كرهوا كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا كما أخذوا حفظا , لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه .

قلت : والكراهة لا تدل على عدم وجود الصحف والكتب ولكنهم كانوا يستحبون التحديث حفظاً.

فقد كثرت التصانيف فى ذلك الوقت خاصة فى عصر أتباع التابعين.

يقول ابن حجر: "فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (توفي 160 هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (156هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة؛ فدونوا الأحكام.

فصنف الإمام مالك "الموطأ" وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ومن بعدهم (توفي 179 هـ).
وصنف ابن جريح بمكة (توفي ببغداد 150هـ)، والأوزاعي بالشام (156هـ)، وسفيان الثوري بالكوفة (توفي 161 هـ)، وأبو سلمة بالبصرة (نوفي 176هـ)، ومعمر بن راشد باليمن (المتوفى 153هـ)، وجرير بن عبد الحميد بالري (توفي 188هـ)، وعبد الله بن المبارك بخراسان (المتوفى 181هـ).
ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث الني صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المائتين.

فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندا (توفي 213هـ)، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندا (توفي 212هـ)، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندا.
ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد؛ كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء.

ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معا، كأبي بكر بن أبي شيبة.
ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وجدها جامعة للصحيح والحسن، والكثير منها يشمله التضعيف؛ فحرك همته لجمع الحديث الصحيح، وقوى همته لذلك ما سمعه من أستاذه الإمام إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: "لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي وأخذت في جمع الجامع الصحيح".

ومما تقدم يتبين لنا أن علماء التدوين قد طوفوا الدنيا كلها، وانتشروا في البلدان والأمصار وأحاطوا بها يجمعون ويكتبون في حركة نشطة دائبة يواصلون الليل بالنهار؛ ليسجلوا أجلّ وأخلد سجل عرفته البشرية على الإطلاق، على امتداد تاريخها الطويل، فبعد كتاب الله جندوا أنفسهم وأقلامهم ليدونوا مصدر شريعتهم، ومنبع عزهم الدائم.

شارك بالموضوع